ابن أبي الحديد
342
شرح نهج البلاغة
علقمة بن فراس ، وهو جذل الطعان . ومنهم ربيعة بن مكدم بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس ، الشجاع المشهور ، حامي الظعن حيا وميتا ، ولم يحم الحريم وهو ميت أحد غيره ، عرض له فرسان من بنى سليم ، ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم ، فرماه نبيشة ابن حبيب بسهم أصاب قلبه ، فنصب رمحه في الأرض ، واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل . وأشار إلى الظعائن بالرواح ، فسرن حتى بلغن بيوت الحي ، وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ، ويظنونه حيا ، حتى قال قائل منهم : إني لا أراه إلا ميتا ، ولو كان حيا لتحرك ، إنه والله لماثل راتب على هيئة واحدة ، لا يرفع يده ، ولا يحرك رأسه . فلم يقدم أحد منهم على الدنو منه ، حتى رموا فرسه بسهم ، فشب من تحته ، فوقع وهو ميت ، وفاتتهم الظعائن . وقال الشاعر : لا يبعدن ربيعة بن مكدم * وسقى الغوادي قبره بذنوب ( 1 ) نفرت قلوصي من حجارة حرة * بنيت على طلق اليدين وهوب لا تنفري يا ناق منه فإنه * شريب خمر مسعر لحروب لولا السفار وبعد خرق مهمه * لتركتها تجثو على العرقوب نعم الفتى أدى نبيشة بزه * يوم اللقاء نبيشة بن حبيب وقوله عليه السلام : " ما هي إلا الكوفة " ، أي ما ملكتي إلا الكوفة . اقبضها وأبسطها ، أي أتصرف فيها ، كما يتصرف الانسان في ثوبه ، يقبضه ويبسطه كما يريد . ثم قال على طريق صرف الخطاب : " فإن لم تكوني إلا أنت " ، خرج من الغيبة إلى خطاب الحاضر ، كقوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين ) ، يقول : إن لم يكن لي من الدنيا ملك إلا ملك الكوفة ذات الفتن ، والآراء المختلفة ، فأبعدها الله !
--> ( 1 ) لحسان بن ثابت ، وقيل هي لضرار بن الخطاب ، وهي الأغاني 14 : 126 ( طبعة الساس ) والكامل 668 ( طبع أوروبا ) في اختلاف في الرواية .